منتديات القمة السودانية
الزائر الكريم اهلا ومرحبا بك
نسعد بتسجيلك فى منتدانا العامر بوجودك
المواضيع الأخيرة
» الدلالات الحركية في الرقص التقليدي في السودان
السبت فبراير 25, 2017 10:24 pm من طرف رجاء موسى

» وداعاً رأفت الهجان...للشربينى الاقصرى.
الإثنين نوفمبر 14, 2016 10:07 pm من طرف الشربينى الاقصرى

» قصة قصيرة جداً: وطنية...للشربينى الاقصرى.
الخميس نوفمبر 10, 2016 3:55 am من طرف الشربينى الاقصرى

» المتنبى شاعر العصر...للشربينى الاقصرى.
الأحد أكتوبر 02, 2016 7:36 am من طرف الشربينى الاقصرى

» قصة قصيرة جداً: مفارقة...للشربينى الاقصرى.
الجمعة سبتمبر 23, 2016 1:05 pm من طرف الشربينى الاقصرى

» قصة قصيرة: السيد والعبيد...للشربينى الاقصرى.
السبت سبتمبر 10, 2016 10:22 pm من طرف الشربينى الاقصرى

» قصة قصيرة: ما أرخص الثمن!!...للشربينى الاقصرى.
الجمعة أغسطس 26, 2016 7:35 am من طرف الشربينى الاقصرى

» القانون...للشربينى الاقصرى.
الجمعة أغسطس 05, 2016 5:23 pm من طرف الشربينى الاقصرى

» دورة مؤكدة دورالمدراءالقادةفي التطويرالإداري(protic for training )
الأربعاء سبتمبر 02, 2015 1:19 am من طرف صيانة زانوسى

» إلى أنشودة العشق...للشربينى الاقصرى
الجمعة يوليو 10, 2015 8:23 pm من طرف الشربينى الاقصرى

» مهرجان ساما الموسيقي بالخرطوم
الأحد يونيو 14, 2015 12:32 am من طرف رجاء موسى

» بدعة (التفسير السياسي للدين) والفتن التي تلزم منها ..
الجمعة مايو 29, 2015 3:06 pm من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» الإمام الطحاوى رائد الوسطية الاسلاميه
الخميس مايو 21, 2015 4:55 pm من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» نشيد بلادي
الثلاثاء مايو 12, 2015 11:06 pm من طرف رجاء موسى

» أغاني البنات بين الماضي والحاضر
الجمعة أبريل 24, 2015 6:51 pm من طرف رجاء موسى


lدراسات فى الموسيقى السودانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

lدراسات فى الموسيقى السودانية

مُساهمة من طرف الدفع في الأربعاء ديسمبر 07, 2011 7:44 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
دراسات في الموسيقي السودانية
الفصل الأول
مقدمة:
إن التاريخ هو الذاكرة الحافظة لدلالات وأنماط الحضارة للأمة أو الشعب المعين، فبدونه يصبح من غير المتيسر التمييز بين الأشياء ومما يــؤدي إلى اختلاطها، وبالتالي فإن الأمة تكون غريبة عن تاريخها ومكونات أصلها وتراثها، وعلى العكس فإن الأمم الجديرة بالاهتمام تحمي تاريخها وتستخلـــص منه الدروس والعبر، إذا أن خبرات الماضي خير زاد ومعين على تحديات المستقبل( ) وذلك بالإفادة من الايجابيات وتجنب السلبيات.
السودان قطر يتفرد بميزات وخصائص عديدة مقارنة بكثير من الدول وذلك في جوانب كثيرة منها الجغرافية والبيئية والثقافية والاجتماعية وغير ذلك، فكل تلك الخصائص مجتمعة جعلت تعلق أهل بعض الدول الأفريقية بالسودان ويتمثل ذلك في دوام السعي والهجرة المستمرة بقصد الاستقرار، بجانب تنامي العلاقات الأخوية الفردية والجماعية على المستويين الرسمي والشعبي بين السودان وتلك الدول.
وقد تم رصد والاعتراف والإقرار بذلك الموقع الحيوي المهم، منذ فجر التاريخ بدءاً من الممالك القديمة مثل مملكة نبته ( كوش) ( 750 – 300 ق م) ثم مملكة مروي في القرن الرابع قبل الميلاد، وتجلت قوة تلك المملكة في لغتها المدونة نظراً لتلك الحقبة السحيقة من التاريخ مروراً بالممالك المسيحية التي نشأت في منطقة (المريس) وعاصمتها بلدة فرس، وعلوه وعاصمتها سوبا، والمقرة وعاصمتها دنقلا العجوز وقد استمرت تلك الممالك لفترة قصيرة، عدا مملكة علوه التي كانت تستمد قوتها واستمرارها عبر تواصلها بمراكز الكنيسة القبطية في مصر وإثيوبيا( ) إلى أن ظهر الإسلام كقوة جديدة ومسيطرة في المنطقة ففتح المسلمون مصر عام(20 هجرية /639 ميلادية)، وبالتالي تم فتح بـلاد النوبة وبناء مسجد للمسلمين فيها، ثم تلي ذلك كتابة معاهـدة ( البقط) مع ملك النوبة، وغير ذلك من الأحداث والشواهد الدالة على أثر الإسلام والعرب في السودان.
لقد ازدهرت حركة توافد القبائل العربية إلى السودان عبر منافذ عديدة ولأغراض متعددة فالبعض جاء بقصد التجارة نظراً لما اشتهرت به بلاد السودان من ثروات ومعادن، كما جاء البعض طلباً للمرعي، أو فراراً من بطش الحكام طلباً للمأوى والملجأ الآمن، ولذلك وبفعل تلك الهجرات فقد شهدت المنطقة نماءً وتطـوراً وبرزت الثقافة الإسلامية الجديدة بمبادئها التي تدعو إلى معاني وحدة البشر والأخوة والمساواة بين الناس، وفق نظم وأسس اجتماعية وأخلاقية مثل الشجاعة، الصدق، الأمانة، والدعـوة إلى التعليم والقـراءة والكتابة، وقد توجت تلك الحركة الثقافية بإعلان قيام دولة سنار الإسلامية على يد عمــارة دنقس وعبد الله جمـاع، تلك الدولة التي جاءت حاملة دلالات فكرية وثقافية في اتجاه تكوين المجتمع السوداني الجديد و في إطار الحضارة الإسلامية، و بجانب مملكة دارفور في غرب السودان.
سلطنة دارفور:
ضمت دارفور شعوبا مستقرة وأخرى مهاجرة تمازجت دما ومصاهرة وتقإلىد وعرفا ودينا وفكرا وثقافة، فهيأت بعضها البعض للمشاركة في اللغة والتقإلىد، وقد صارت تلك المعطيات فيما بعد وعاء واحدا، وتضامنت وتضافرت فيما بينها ووحدت غالبيتها مكونة وحدة دار فور.
يعتبر التمازج القبلي في دار فور من أكبر المؤشرات الدالة على وحدة التراث والحضارة برغم الثقافات المتباينة للنسيج القبلي والعرقي للمجموعات التي ظلت تعيش في وئام وانسجام تام فيما بينها، ويلاحظ أن كل قبيلة تحتفظ بلغتها الأصلية، مع أنهم يتخاطبون فيما بينهم بلغة الفور كلغة رسمية لشعوب تلك المنطقة، كما أن كثيرا من القبائل تأثرت بعادات وتقإلىد الفور بما في ذلك إجادة لغتهم حتى أن البعض منها لايمكن فصلها عن الفور، لأن اختلاطهم حدث منذ مدة طويلة منذ عهد السلطان (شاودر سيت)) (.
لقد كانت سلطنة الفور قوية وراسخة، أرست بعض الأسس والتقإلىد في الحكم والمعمالة الحسنة مما أثر في دعم سيطرتها وانتشارها، الأمر الذي كان له أثر كبير في دفع مجموعات كبيرة للإستقرار والعيش في منطقة نفوذ الفور والعيش وسطهم بسلام لتزداد السطنة بذلك قوة ومنعة بحكم ازدياد القوة البشرية، مما حقق استمرار السلطنة لأكثر من سبعة قرون صاحبتها نجاحات وتحقيقي انتصارات وبسط نفوذ وتوسع واستقرار.
لقد كان للفور انجازات ومساهمات في واقع الحياة، خاصة بعد دخول الاسلام حيث اختلاط بالعناصر العربية الوافدة نتيجة الهجرات المتواصلة، ومن أبرز من هاجر واستقر في منطقة الفور يذكر اسم الشيخ العالم والسلطان فيما بعد (أحمد المعقور) الذي كان حافظا للقرآن ومدركا لعلوم الاسلام، وقد تمكن من إقناع السلطان شاودر لاتخاذ الاسلام دينا رسميا للسلطنة، فبدأت المكاتبات الرسمية باللغة العريبة تؤرخ لسلطنة الفور الاسلامية، ويمكن تسمية هذا العهد بالعهد الثاني لسلطنة الفور وهو العهد الذي شيد على قواعد العقيدة الاسلامية، فتوطدت بذلك علاقة الفور بأرض الحجاز وأمرائها، وظل حكام الفور طوال تاريخهم أصحاب حق وعدالة يمارسونها على الجميع، متخذين من تعإلىم الدين الاسلامي قاعدة صلبة للتعامل من أجل تحقيق مجتمع الخير والفضيلة والأخلاق الإسلامية النبيلة الأصيلة، الأمر الذي ساهم في تكوين مجتمع يحمل ثوابت ثقافية وحضارية عريقة استمرت لفترة زمنية طويلة وفق بمقاييس الشعوب والأمم.
وقد كتب عن تاريخ الشعوب التي حكمت دارفور الكثير من العلماء، يذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، من الأوروبيين براون، ناختقال، بالمر، بارث، آركل، مكمايكل، ثيوبولد، سلاطين، ريتشارد هيل، ومن العرب إلىعقوبي، الإدريسي، نعوم شقير، القلقشندى، محمد بن عمر التونسي، ومن السودانيين مكي شبيكة، يوسف فضل، محمد إبراهيم أبو سليم، الشاطر البوصيلي، مندور المهدي، على أبوسن، عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن.
لقد حكم إقليم دارفور كيانات رئيسية وهي الداجو، التنجور والفور الكيرا.
أما الداجو فكان لهم نفوذ مستقل قبل قيام سلطنة الداجو، كما استولى التنجور على حكم دارفور في نهاية القرن الثالث عشر، أما الفور فيرجع تاريخهم إلى فترات قديمة حيث كان هناك قوم طوال القامة يطلق عليهم لفظ الـ( تورا) وتعني بلغة الفور العملاق، ويسكنون في منازل دائرية تسمى (تورنق تونقا) أي بيوت العمالقة( )، عليه يمكن حصر الكيانات التي تعاقبت في حكم دارفور من السلطنات والحكومات كما يلي:
1. سلطنة الداجو، في الفترة من القرن الثاني عشر حتى نصف القرن الثالث عشر.
2. سلطنة التنجور، من القرن الثالث عشر حتى النصف الأول من القرن الخامس عشر.
3. سلطنة الفور(الكيرا) في الفترة مابين (1445 ـ 1884 ميلادية).
4. الحكم التركي المصري في الفترة مابين (1874 ـ 1884 ميلادية).
5. فترة المهدية في الحقبة مابين (1884 ـ 1898 ميلادية).
6. فترة حكم الأمير حسن أبو كدودة (أبريل 1898 ـ نوفمبر 1989 ميلادية).
7. فترة حكم السلطان علي دينار (1989 ـ 1916 ميلادية).
8. فترة حكم الاستعمار الانجليزي (1917 ـ 1956 ميلادية).
لقد اكتنف تاريخ دارفور القديم الكثير من الغموض، حيث لم تكن هناك مدونات وثائقية يعتمد عليها كثيرا، خاصة الفترة التي سبقت التاريخ الميلادي، فقد كان للحكام والسلاطين في ذلك الوقت فلسفات وأهداف من وراء ذلك قصد منها عدم إفشاء أسرار البلاد للأجانب، وقد تكتموا عليها خوفا من مغبة أطماع وتسلط الأجانب، ولكن بعد العصور الوسطى بدأت تظهر بعض الحقائق المهمة التي سجلها المؤرخون وبعض الرحالة الذين زاروا دارفور في تلك العهود السابقة، وقد تعرضوا في كتاباتهم للتاريخ والاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية والثقافية، فخلدوا بذلك تاريخا وتراثا عظيما يحكي عن عظمة أمم خلت وأخرى بقيت.
سلطنة الفونج:
أما السطنة الإسلامية الثانية فهي سلطنة الفونج التي يتزعمها (عمارة دنقس) زعيم الفونج ومؤسس مملكة سنار، وقد كانت هذه السلطنة عبارة عن تحالف بين قبائل الفونج العبدلاب التي يتزعمها عبدالله جماع زعيم مشيخة العبدلاب( )، ويرجع ذلك التحالف إلى عدة أسباب منها أسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، كما أن هذا التحالف أفرز إرهاصات وحدة وطنية كان لها دورا مهما في تاريخ السودان.
لقد سادت سلطنة الفونج في الفترة ما بين عام (1504ـ1821م)، وشهدت فترة حكمها وسيادتها تطورات عديدة في مجالات مختلفة مثل الزراعة والصناعة والتجارة، وقيام المدن والأسواق، كما تطورت الحياة الاجتماعية بأسإلىب وطرق خاصة ومميزة، أفرزت بنية ثقافية وفكرية أبرزت سمات معينة، وقد جاءت نتاج تفاعل وتأثير متبادل تلاقح الموروث المحلي مع الوافد فكان نتج ذلك بروز الخصائص المميزة التي عرف بها المجتمع السوداني في تلك الفترة( ).
لقد كان اندماج وتحالف الفونج والعبدلاب مثالا للوحدة وبروز شخصية الدولة السودانية بصورة واضحة شملت عدة عناصر، وكان لها تأثير في جوانب مختلفة مثل الاقتصادية والجوانب الاجتماعية وانتشار الثقافة العربية والاسلام وسط وشمال السودان، فكان ذلك بمثابة إرساء قواعد مهمة لعبت دورا مهما فيما تلى من حقب تارخية في السودان.
لقد ازدهرت وتطورت تلك الممالك السودانية الأصيلة، وأدي ازدهارها إلى ازدياد حركة المد الإسلامي في أفريقيا، خاصة دولة أثيوبيا والصومال ويعتبر الشيخ عجيب المانجلك الذي عمل على فتح أرض السودان أمام كل عالم بل وتمكين العلماء من تبوء أماكن الصدارة والريادية في الحركة الاجتماعية دون تقيد بحسب أن انتماء أو جنسية وقد وفد رجال الطرق الصوفية في عهد الملك عجيب المانجلك، مثل الشيخ تاج الدين البهاري والشيخ التلسماني الذي على يديه أنتشر علم التجويد وعلم الكلام وعلوم القرآن في الجزيرة، وكذلك الشريف محمد الهندي الذي قدم من مكة المكرمة، ولقب بالشريف نسبة لانتمائه إلى الأشراف في مكة، والشيخ دشين الذي أنجب ذرية من الصالحين منهم الفقيه مدني الذي سميت مدنية (ود مدني) على اسم حفيده( ).
لقد امتد نفوز المملكة السنارية على يد ود عجيب واتسع وأسهم في قيام مملكة تقلي الإسلامية عام 1560م، ثم تلى فترة حكم السلطنة الزرقاء عهداً انتقإلىاً من الوثنية والمسيحية إلى سيادة الإسلام وشيوع اللسان العربي، بجانب انتشار علوم الصوفية والعلوم الأخرى، كما اشتهر الفقهاء والعلماء ورجال الدين، يذكر منهم على سبيل المثال الشيخ فرح ودتكتوك، الذي يعتبر من أعمدة الحركة الأدبية التي فرضت الشعر الفصيح، فقد قال في أحدي أشهر قصائده الشهيرة في زجر الناس عن تملق السلاطين واللهث وراء الحكام :
يا واقفا عند أبواب السلاطين أرفق بنفسـك من هـم و تحزين
تأتي بنفسك في ذلة و مسكنة وكسر نفس وتخفيض وتهوين
إن كنت تطلب عزاً لا فناء له فلا تفق عند أبواب الســلاطين
ولا تصاحب غنياً تستعز به وكن عفيفاً وارعى حرمـة الدين
وتكشف الحركة الشعرية في زمن الفونج، أنها كانت وليدة بيئة ثقافية عربية إسلامية امتازت بروح ونكهة سودانية خالصة منشؤها الناس، تعبر عن وجدانهم وحياتهم وثقافتهم وميولهم، وكانت تلك هي الشخصية السودانية التي سيطرت وسادت وشاعت محددة الطابع السوداني المتفرد، وقد امتدت الحقبة السنارية إلى ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً في الفترة بين عامي(1504 ـ 1821ميلادية) وانتهت على يد الغزاة الأتراك بقيادة محمد على باشا، الذي استمر حكمه في السودان في الفترة ما بين (1821ـ 1885ميلادية)، وهي الفترة التي ظهر فيها الزعيم الديني محمد أحمد المهدي وخليفته (عبد الله بن محمد خليفة الصديق) الذي اشتهر بـ(الخليفة عبد الله التعايشي) وقد استمر حكم دولة المهدية أربعة عشر عاماً ابتداء من (1885ـ 1898ميلادية)، بعد ذلك انتقلت الأمور إلى الحكم الثنائي(المصري البريطاني) الذي امتد في الفترة من (1899ـ 1956 ميلادية)، ليبزغ في السودان فجر جديد حافل بالحرية والاستقلال، وعبر هذه الحقب منذ الفترة السنارية والدارفورية إلى مرحلة الاستقلال، فقد شهد السودان عدة حركات نضإلىة وتحررية.
المهدية ودورها في تنامي الروح الوطنية.
بعد امتداد الحقبة السنارية التي دامت ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً (1504 ـ1821 ميلادية) والتي انتهت على يد الأتراك بما يعرف بالتركية السابقة التي استمرت 64 عاماً (1821 ـ 1885 ميلادية) جاء فترة حكم مليئة بالإثارة وجديرة بالوقوف عندها وهي فترة (المهدية) التي تعتبر أول حركة وطنية قام بها السودانيون أنفسهم تحت قيادة الإمام محمد أحمد المهدي الزعيم الديني التأثر في وجه الاستبداد والظلم الذي كان يطبقه الحكم الاستعماري، قد استحوذ المهدي على تأييد دعاة الإصـلاح والتجار ورجال الطرق الصوفية، وذلك لمناداته بإحياء الإسلام وإعادة حكم الشريعة الإسلامية وإعلان الجهاد على الأتراك الذين اشتهروا بجباية الضرائب، كما اكتسب أيضا تأييد المجموعات المقهورة من السلطنات وقبائل البقارة في كل من جنوب كردفان ودارفور، بجانب تأييد قبائل البجة بجبال البحر الأحمر، كل ذلك هيأ وساعد الإمام محمد أحمد المهدي في جمع عناصر التذمر( ) المتعددة من السودانيين وجمعهم في كيان موحد نتج عنه قيام وتكوين جيش ودولة.
لقد كان لعنصر الدين تأثير كبير على تحديد اتجاه الثورة المهدية وسيرها ونجاحها الأمر الذي يؤكد ويفسر التفاف الناس حول قائدها، إذ لم يكن الوعي السياسي وقتها على درجة تمكن من تحقيق تنظيم سياسي ينخرط فيه الناس دون اعتبار للفوارق المحلية والقبلية، لذلك تعد الثورة المهدية خطوة كبيرة في طريق تكوين القومية السودانية ( )، ولكن المنية لم تمهل المهدي طويلاً فقد توفي يوم الاثنين التاسع من شهر رمضان سنة 1302 هـ الموافق27 يوليو1885 ميلادية وكان عمره آنذاك حوإلى (42) عاماً، كما دامت إقامته في أم درمان سنة وستة أشهر( )، ألا رحمه الله بقدر ما قدم لدينه ووطنه.
الخليفة عبد الله بن محمد (عبد الله التعايشي):
بعد موت الزعيم الديني الإمام محمد أحمد المهدي تولى الخلافة بعده الخليفة عبد الله بن محمد الشهير بـ(عبد الله التعايشي)، وقد تمت مبايعته من قبل كافة أهل أم درمان وضواحيها، فشرع في تأسيس دولة المهدية في العاصمة أم درمان، حيث ازدادت عماراً واتساعاً حتى ضاق الجامع الذي بناه المهدي بمرتاديه ومحبيه ومؤيديه، فقام الخليفة عبد الله ببناء جامع آخر أكبر سعة وذلك في نوفمبر 1887 ميلادية، كما شرع في بناء صرح معماري وفق طراز محدد عرف يطلق عليه لفظ (قبة) فوق قبر الزعيم محمد احمد المهدي، حيث بدأ في حفر أساس البناء بيده ثم تبعه الأمراء وتتابع الناس في العمل حتى اكتمل البناء، فجاءت قبة عظيمة مربعه الشكل طول كل جدار من جدرانها الأربعة (17) ذراعاً وسمكه( 3.5) ذراعاً وارتفاعــه (21) ذراعاً وعلو البناية من الأرض إلى القمة (50) ذراعاً، ووقتها كان المهندس الذي قام بالتنفيذ مصري الجنسية يدعي إسماعيل( ).
لما فرغ الخليفة عبد الله من بناء قبة المهدي بدأ في اعمار مدينة أم درمان فشيد (بيت المال والمشنقة والسجن والسوق)، كما شيد (بيته وبيوت عائلـة المهدي والأمراء الكبار)، فأصبحت أم درمان مدينة كبيرة وبلغ عدد سكانها حوإلى مليون نسمة يمثلون معظم قبائل السودان، وأصبحت من أهم المرتكزات الأساسية التي بنيت على قواعدهامكونات المجتمع السوداني الذي يعرف إلىوم بالقوة والتفرد.
كما أحيطت المدينة بسور عال بلغ ارتفاعه خمسة أمتار وعرضه متر، يحيط بالمدينة من جوانبها الأربعة، وله أربع بوابات بقيت منها واحدة هي (بوابة عبد القيوم) قرب النيل ناحية شارع الإذاعة حإلىاً.
لقد كان الخليفة شديد العناية بدولته فقام بفتح دفاتر الحسابات لتحديد مقادير الدخل والمنصرف، وقسم بيت الأمانة وعامة الإدارة المهدية ويشرف على كل أعمال الدولة بنفسه، ثم دعا الخليفة أهله في جنوب كردفان ودارفور للهجرة إلى أم درمان بخيولهم ومواشيهم، فلبوا دعوته وقدم إلى مدينة أم درمان الآلاف من مختلف القبائل، فسر بهم الخليفة، ولما جاء المهاجرون من مناطقهم صار لمدينة أم درمان أحياء عديدة سميت بعضها بأسماء بعض أمراء المهدية مثل (حي أبوعنجة، حي ودنوباوي، حي أبوروف حي العباسية وحي أبو كدوك، حي بيت المال، حي الملازمين، حي المسلمانيـــة ( المسالمة)، حي الضباط، حي الموردة) وقد سميت الموردة بذلك الاسم لأنها كانت هي الميناء التي تأتي عبرها المراكب وهي تحمل البضائع إلى مدينة أم درمان.
أيضا اهتم الخليفة عبد الله بالجيش والقضاء وحفظ الأمن بجانب تركيزه على معالجة أمور نشر الدعوة خارج السودان، فبعث بالرسائل التي تحث على اتباع سنة المهدي إلى كل من خديوي مصــر وملكة انجلترا، والديوان السلطاني في تركيا وأهل الحجاز وملك الحبشة الذي لم يتقبل الدعوة، فتمت محاربته وانتصر عليه قائد جيوش المهدية (حمدان أبوعنجة) و(الزاكي طمل)، وبذلك تمدد نفوذ الخليفة وبلغ أوجه وقمته بعد حرب الأحباش، ولكن ما لبث أن أخذ التدهور يدب في أوصال الدولة على أثر تعاقب الهزائم في مصر وشرق السودان، وقد تجلت أعظم أسباب التدهور في مجاعة سنة (1306- 1889 ميلادية) والتي جاءت نتيجة هجرة سكان الأرياف إلى أم درمان وإلى ميادين القتال التي كانت الحرب فيها مستعرة قوية وجبارة استنزفت الأموال والعتاد والأرواح، لذلك قام الخليفة بتوجيه نداء إلى قواته في الأقإلىم لتحضر إلى أم درمان، فكان من بين الذين دعاهم الأمير محمود ود أحمد حاكم كردفان ودارفـور وعثمان دقنه، ودارت عدة معارك خاضها محمود ود أحمد ضد جيش الفتح الذي كان بقيادة كتشنر، وكانت أخر معركة هي معركة عطبرة (1898 ميلادية) حيث انسحب القائد (عثمان دقنه) إلى مدينة القضارف بشرق السودان على رأس حوالى أربع آلاف من المقاتلين وأسر (محمود ود أحمد) ( ).
بعد انتهاء واقعة عطبرة استعد القائد البريطاني كتشنر لدخول أم درمان فأقام في عطبرة حتى وصلها خط السكة حديد وقابل المعدات والبواخر النيلية ووصل الدعم والإمداد من الجنود المصرية والإنجليزية وبلغ جيش الفتح نحو(25) ألف جندي.
عندما علم الخليفة بذلك، أعلن الجهاد وبدأ استعداده للمعركة، وكان قد استشار أهل مشورته فصرح بعضهم بالتقهقر والانسحاب فغضب الخليفة وقال لهم:
(........ سبحان الله رجال المهدية وأنصارها العديدين نجبن عن حرب جيش الكفرة المهزومين لأجل السودان كله، فأنا سوف أحارب حتى انتصر أو يقتل جيشي كله فأجلس على فروتي عند قبة المهدي واسلم أمري إلى الله.......)( )
فلم يجسر أو يجرؤ أحد على أن يزيد فوق حديثه، وهو حديث يدل على العظمة وتفرد الإنسان السوداني بحبه لوطنه ودينه.
في أول أغسطس من عام (1898 ميلادية) زحفت جيوش كتشنر من مدينة عطبرة وواصلت حتى أم درمان والتقى الجيشان على بعد مسافة قريبة من أم درمان في منطقة (قرية ود حامد) ودارت هناك معركة حامية لم تدم أكثر من ساعات، كانت الغلبة فيها للجيوش الغازية، وانتهت تلك المعركة مخلفة آلاف القتلى من الطرفين، أما الخليفة فقد انسحب إلى أم درمان واتجه غرباً مع بعض إتباعه وبقي أربعة عشرة شهراً، ثم كتب إلى منصريه وأتباعه الذين لم يشهدوا موقعة أم درمان مثل (الختيم موسي) قائد حامية الأبيض، و(أحمد فضيل) قائد حامية القضارف ليحلقا به، كما حضر أيضا عثمان دقنه، وهكذا كان الخليفة في حالة استعداد وتحرك دائم إلى أن التقي مع الغزاة في قرية أم دبيكرات، ولكن الغلبة كانت أيضا للأسلحة الحديثة، ولما رأى الخليفة وإتباعه أنهم خسروا المعركة فرش كل منهم فراء صلاته حتى قتل، وكان ذلك في يوم الرابع والعشرين من شهر نوفمبر من عام (1899 ميلادية).
بذلك انتهت فترة حكم الدولة المهدية( ) وبدأت حقبة جديدة تحت حكم عرف بالحكم الثنائي الذي جاء عبر اتفاقية الحكم الثنائي (بين دولتي انجلترا ومصر) التي أبرمت في يناير (1899 ميلادية) ووضعت السلطة المدنية والعسكرية في أيدي حاكم بريطاني، وظل السودان تحت حكم كتشنر ثم ونجت باشا حتى عام (1914) ميلادية ( ).
الحكم الثنائي:
بدأ في السودان عهد جديد تم فيه تشييد خطوط السكة حديد، وفي عام 1902 ملادية وشيدت كلية غردون بغرض تدريب طبقة من الصناع السودانيين ليحلوا محل المصريين في السكك الحديدية والمصانع الحكومية، وأيضا لإعداد طبقة من الكتبة السودانيين لشغل بعض الوظائف الدنيا، وذلك لأن مشكلة كبيرة قد طرأت وواجهت الحكام البريطانيين كحكام مسيحيين في إدارة السودان بموجب الاتفاقية، باعتباره بلداً مستعمراً يعتنق غالبية سكانه الإسلام، فكان السعي الجاد للعثور على أشخاص من أهالي البلاد يدينون بالولاء والإخلاص لنظام الإدارة الجديدة ويعترف بهم نظام الحكم.
كما أن الإدارة الجديدة قد استخدمت سلاحاً مغايرا وهو استغلال نفوذ وسلطة رجال الطرق الصوفية بكثرة أتباعها وانتشار تنظيماتها الهرمية وقدرتها على العمل في منظمات قبلية، فبدأت الإدارة بالتقرب لمشايخ الطرق الصوفية والعلماء وشكلت منهم عام 1902م لجنة لتقديم النصح والمشورة للحكومة، كما استمالت الحكومة لجانبها أيضا التجار وزعماء القبائل من ذوي النفوذ، وهكذا تمكنت الحكومة من بسط سيطرتها ونفوذها، ولم يكن هناك إلا عقبة واحدة في وجه الحكم الثنائي (الانجليزي المصري) تمثلت في تمرد السلطان (علي دينار) حاكم منطقة دارفور.
ذلك أن السلطان علي دينار كان قد انسحب بعد موقعة أم درمان وفي صحبته نفر من أهله وأقاربه الذين من بينهم الأمير قمر الدين والفقيه أمين الذي كان أميناً للسلاح عند الخليفة عبد الله، فعندما وصل علي دينار إلى الفاشر طرد من فيها من بقايا حامية تابعة للحاكم في الخرطوم، كما طرد القائمين على حامية كبكابية مستعيدا بذلك عرش أجداده ومن ثم اعترفت به السلطات البريطانية حاكماً إقليمياً وأرسل إلى السردار في الخرطوم مفاده أنه قد أسس حكومته على مثال سلطنة أجداده ووضع خاتماً نقش عليه ما يلي:
(........ السلطان علي دينار بن السلطان زكريا بن السلطان محمد الفضل بن السلطـان عبد الرحمن الرشيد بن السلطان بكر( )، ............. واستمر في حكم تلك المنطقة حتى أصبح للبريطانيين السلطة المباشرة في دارفور بعد انقضاء ثورة علي دينار في عام 1916ميلادية).
كانت منطقة دارفور أكثر صلاحية لتطور السلطات القبلية، كما تميزت هذه المنطقة أيضاً بأنها عبر قرون طويلة كانت خاضعة لسلطنة مركزية لم تقهر تماماً لدي الغزو التركي المصري، وتوإلى حكم سلاطين الفور من القرن الرابع عشر حتى استطاع الحكم التركي الاستيلاء على السلطة بمساعدة الزبير باشا عام 1874ميلادية.
إرهاصات الحركة الوطنية الحديثة
أثر الثقافة العربية على العناصر المحلية:
لقد كان للعرب والثقافة العربية أثراً واضحاً بين المجموعات القبلية في شرق السودان، عدا بعض الأماكن المنعزلة التي لم تتح لسكانها فرصة الاحتكاك بالعناصر العربية، مثل مرتفعات النوبة وغيرها.
كما أن انتشار الثقافة العربية كان رهينا بالاحتكاك المباشر بالقبائل والعناصر العربية وطبقات التجار والموظفين العرب، عن طريق العمل في الجندية أو الزارعة في السهول أو البحث عن الأعمال في المدن.
إضافة إلى بيئة الجبل فقد كانت هناك بيئة الغابة في جنوب السودان، فهي تكون جزءاً مهماً من مناطق العزلة الثقافية.
كما أن الاختلاط المباشر الذي تم بين القبائل العربية وقبائل الفرتيت في غرب بحر الغزال، وبعض مجموعات قلبية كريش، فروغي، الباندا، الذين اعتنقوا الإسلام ويتكلمون لغة قريبة من اللهجة العربية الدارجة، نتيجة تأثير التجار العرب الذين يتعاملون في تجارة ريش النعام وسن الفيل.
أهداف سياسة المناطق المغلقة:
كان مــن الممكن أن تنمو وتتطور الكثير من الوسائل لصالح الجوانب الاجتماعية والثقافية في بيئة الغابة والجبل، غير أن هذه الصلات بين العرب وسكان الجبال وبيئة الغابة في جنوب السودان قد تم محاربتها من قبل الإنجليز عن طريق إعلان السياسة البريطانية التي كان همها الأول هو محاربة انتشار الثقافة العربية، وقد تمت بالفعل عملية استئصال هذه الثقافة العربية من تلك البيئات تحت ظل القانون الذي عرف بقانون المناطق المغلقة والذي كان يهدف إلى الاحتفاظ بتلك المناطق منعزلة عن تيارات الثقافة العربية، ودعمت الحكومة ذلك الاتجاه عام 1931 ميلادية بدعوة إحدى الجمعيات الكاثوليكية لتولي أمر التعليم حتى عام 1941 ميلادية، وكان تهدف بذلك إلى بناء ثقافة نوباوية محلية خاضعة للمؤثرات المسيحية( )، على أن يظهر تأثير مفعول تلك السياسات مستقبلا، عبر التركات البغيضة ومخلفات سياسة التفريق وزرع روح البغض والكره ليس بين أبناء الوطن الواحد فحسب بل أبناء القبيلة الواحدة.
أما فيما يختص ببيئة الغابة في جنوب السودان، فقد ذهبت الإدارة الإنجليزية ـــــ في سبيل حجب الثقافة العربية ـــ شوطاً أبعد من ذلك، فإلى جانب قانون المناطق المغلقة وأهدافة الخفية، كانت هناك سياسة عرفت باسم سياسة جنوب السودان(southern policy)، كان الهدف منها أيضا حجب الثقافة العربية عن جنوب السودان، والاحتفاظ به كوحدة منفصلة ثقافيا عن بقية أجزاء السودان.
لقد كانت سياسة المستعمر في منطقة جنوب السودان تقوم على خلق سلسلة من الوحدات التي تحتفظ بخصائصها العنصرية والقبيلة في هيكل أو نظام يستند على العادات والأعراف والمعتقدات التقليدية المحلية.
وتحقيقاً لهذا الهدف بدأت الإدارة الإنجليزية بمحو كل ما وجد من عادات وتقالىد تسربت للأهالي والمواطنين في جنوب السودان على أثر دخول العرب لتلك المناطق، وذلك بإصدار أمراً عاماً إلى جميع التجار بإيقاف بيع الملابس العربية من أول شهر يناير من عام 1931 ميلادية، كما أيضا صدرت الأوامر إلى جميع رؤساء القبائل والبطون والعشائر وأتباعهم الذين اتخذوا الأسماء العربية بأن يتركوها ويتخذوا أسماء محلية، وفي سبيل إنفاذ ذلك اتخذت كافة التدابير والوسائل العملية الصارمة، بفرض العقوبات على كل من يفشل في تسجيل اسمه القبلي في ميعاد محدد، وفي كثير من هذه الظروف كان المواطن يُعْطَي رقماً مثل (3131 أو 3227)، بشكل مؤقت ريثما يُتًخَذْ له اسماً قبلياً أو تجد له الكنيسة اسماً مناسباً مثل جيمس أو فيليب كبديل لاسمه( ).
ومما لا شك فيه فإن بيئة الغابة في جنوب السودان قد عرفت العرب منذ مدة بعيدة، وذلك من خلال صلاتها المستمرة مع شمال السودان عبر المداخل الاجتماعية والتسرب السلمي منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي، إضافة إلى الصلة الطبيعية التي فرضتها ظروف بعض القبائل العربية مثل البقارة الذين كانوا يتصلون اتصالاً مباشراً بالقبائل النيلية، ودورهم في بث بعض المؤثرات العربية داخل بيئة الغابة، مثل التأثير الثقافي العربي لقبيلة بني سليم على قبيلة الشلك، واحتكاك عرب الرزيقات بقبائل الدينكا في منطقة بحر العرب خاصة في فترة فصل الجفاف( ).
من الواضح أن سياسة المستعمر كان هدفها محدداً واضحاً وهو بذر اللبنات الأولى لعزل وتقسيم أبناء الوطن الواحد عبر استخدام أقوى العناصر التي يمكن رصدها وحصر بعضها على النحو التالي:
1. اللغة.
2. الدين.
3. المعاملات إلىومية.
4. التحريض وبذر الفتنة.
5. بناء جنسيات محلية مختلفة كمضاد أو ترياق ناجع ضد بناء أمة سودانية موحدة وعزل المجتمعات الريفية من عدوى القومية كما كان ينظر إليها المستعمر.
6. جعل سياسة (فرق تسد) هي السياسة العلىا( ) .
7. ولما كانت اللغة العربية هي العامل الوحيد الذي كان يساعد في توحيد القبائل الجنوبية جاءت المسارعة بجعل اللغة الإنجليزية تحل محل العربية على أن تكون هي لغة التخاطب والدواوين الرسمية والشعبية ما أمكن ذلك.
8. تشجيع الموظفين البريطانيين على الإلمام بثقافة القبائل التي حكموها وتكليفهم بجعل اللهجات القبلية وسيلة يمكن أن يتعلم بها الإنجيل.
9. العمل على جعل القبائل في حالة انعزال تام، بحيث تكون كل قبيلة منفصلة تماما عن الأخرى باستخدام واستغلال كافة السبل لعدم التقائها، حتى لا تجتمع وتشكل أنواعاً مختلفة من الأفكار، ليس في اتجاه اتحادها فحسب بل لاندماجها مع كافة قبائل السودان لتولد امة واحدة، وقد كانت الثورة المهدية خير مثال لذلك التوحد الذي تم التخلص منه بصعوبة بالغة ولو بصورة مؤقتة.
لقد كان لكلية غردون التي شيدها كتشنر أثر كبير في تعليم السودانيين وقد تبع تلك السياسة التعليمية افتتاح وإنشاء المزيد من المدارس الأولىة في بعض المدن الكبيرة لتكون نواة للتعليم الأولى للبنين، إضافة إلى توسيع نظام الدراسة بكلية غردون حيث أفتحت فيها مدرسة ثانوية ذات تعليم عإلى ومدرسة صغيرة للهندسة، كما تم في عام 1905 ميلادية فتح فصول لتدريس المساحة والأعمال الهندسية وتخرج فيها سنة 1907 ميلادية، مهندسون ومساحون سودانيون تم إلحاقهم للعمل بمصلحة المساحـة والري والأشغال العامة، إضافة إلى إنشاء قسم للمعلمين والقضاة، فكان لهؤلاء دورا مهما في تاريخ السودان( ).
فكرة نشوء نادي الخريجين
في عام 1914م اتفقت جماعة من المدرسين بمدرسة أم درمان الابتدائية، على تأسيس نادٍ يضم خريجي المدارس السودانية الوليدة، ولكن نسبة لانشغال الحكومة آنذاك بالحرب العالمية تم تأجيل المشروع لوقت لاحق، وبالفعل فقد استؤنف تنفيذ الفكرة عقب انتهاء الحرب وشيد النادي عام 1918 ميلادية، وتم اختيار حسين شريف رئيسا والمستر سمبسون (مدير كلية غردون آنذاك) رئيسا فخريا للنادي وهو الذي قال في خطبة الافتتاح (...... إن هذا النادي سيلعب دورا هاما في التاريخ ( ) ....)، فظلت هذه العبارة متناقلة على ألسن السودانيين وظل معناها راسخا في وجدانهم.
وبقيام هذا النادي بدأ الجيل الحديث يشعر بوجود كيان مستقل في المجتمع السوداني، وانحصر جهده لعدة سنوات في تحقيق أغراض النضال والكفاح، وكانوا ينادون بتحرير الفكروانطلاقه نحو الأفضل، فعمل كبار الخريجين على ربط وتوثيق الإخاء بينهم وبين الأندية المتناثرة التي تم تأسيسها في مدن السودان المختلفة، وقد شارك المؤسسون في الإشراف على المؤتمرات والمهرجانات العلمية والثقافية، وكان هدفهم نشر الوعي القومي وتنوير الشعب لخدمة وطنهم بهدف رفع شأن السودان، وتطورت أفكارهم واتجاهاتهم وقدراتهم وانتشرت في أنحاء البلاد حتى ضاقت بهم السلطات.
لقد شهدت الفترة بين عام (1922ـ1925م) نشاطا مكثفا في اتجاه الشعور الوطني القومي بين المتعلمين الذين نالوا قسطا من التعليم، ونسبة لتسلط المستعمر، فقد كان نشاط هؤلاء المتعلمين سريا في بدايته، عن طريق توزيع المنشورات المعادية لبريطانيا( ).
لقد كان حسين شريف من الرواد الأوائل في مجال الصحافة السودانية، حيث تولي تحرير مجلة الرائد الأدبية عام1911 م، وكان صاحبها تاجر يوناني الجنسية، إلا أن حسين شريف كان يريد صحافة سودانية خالصة فاستطاع بجهده الخاص أن ينشئ جريدة حضارة السودان عام 1917 ميلادية، وكانت له قوله شهيرة نشرها في الصحيفة ، يحث عبرها الشعب السوداني فيقول: ( شعب بلا جريدة كقلب بلا لسان)، وكان قد أعلن في نفس العدد أن الصحيفة انتقلت من صفحة أدبية اجتماعية إلى صحيفة سياسية، ودعا المتعلمين من السودانيين لتكوين نادي اجتماعي يجمع شملهم ويعمل على إتاحة الفرصة لمناقشة المسائل المتعلقة بهم وبمشاكل بلادهم، ونتيجة لذلك المقال نمت فكرة نادي الخريجين بأم درمان والذي تم تأسيسه عام 1918 ميلادية، فكان بمثابة برلمان يسعى له كل خريج لنيل شرف عضويته.
لقد كان رواد نادي الخريجين يرفضون الوضع السائد رفضاٌ باتاً، وأصبحوا مصدر إشعاع فكري عامر بالمحاضرات والمناظرات والاهتمام بالتراث الإسلامي والأدب شعراً ونثراً، وتأثروا بكافة مصادر الثقافة والعلوم، إذ كان غالبها من المصرين، كما تأثروا أيضا بالثقافة الغربية، فتفتحت أذهان السودانيين من خلال الإطلاع والتثقيف الذاتي فتعرفوا على الأفكار والاتجاهات السياسية المعاصرة وتطلعات الشعوب المغلوبة على أمرها، فكان أبرز نتائج تكوين نادي الخريجين هي تأسيس جمعية الاتحاد السوداني عام 1920م وهي أول تنظيم سياسي سوداني حديث، قد نظمت الجمعية نفسها سريا لمحاربة الاستعمار، كما تكونت أيضا جمعية اللواء الأبيض التي قادت النضال سراً وعلناً وفجرت ثورة 1924 ميلادية، بجانب جمعيات أخرى سرية تكونت في أحياء أم درمان تعمل لمحاربة المستعمر عبر المنشورات السرية وذلك لغرض تحريك مشاعر الشعب وبث روح النضال تارة بالمنشورات كما سبق ذكره، وأخري بالأناشيد الوطنية، وكان من بين أشهر الأناشيد الوطنية نشيد:
(يا أم ضفاير قودي الرسن واهتفي فليحيا الوطن) ..........
الذي كتبه الشاعر الأديب عبيد عبد النور، فكان الشعب السوداني يردد هذه الأناشيد الوطنية إيماناً منه بأهدافها من أجل الحرية والكرامة والوطن.
لقد استن نادي الخريجين سنة الاحتفاء بكل فوج يتخرج في كلية غردون من الطلبة وذلك في مطلع كل عام، ومن ثم إلقاء الخطب والأشعار والأدبيات التي مفادها ومغزاها وهدفها الأول هو تصعيد النضال وإشعال جذوة التحدي ضد المستعمر .
لقد كان عمل جمعية الاتحاد السوداني في غاية الدقة والتنظيم، وقد تأسست بأم درمان عام 1920م وأعضاؤها هم:
1. عبيد حاج الأمين.
2. توفيق صالح جبريل.
3. محي الدين جمال أبو سيف.
4. إبراهيم بدري.
5. سليمان كشه.
لقد كان تنظيم الجمعية في غاية الدقة، إذ بني على نظام سلطة هرمية متدرجة، واستطاع كل من المؤسسين الخمسة أن يضم خمسة أعضاء، وبالتالي كل من هؤلاء يضم بدوره أعضاء جدد، وهكذا انتشرت الجمعية، وكان نشاطها يتركز ظاهريا في تنظيم المسرحيات والندوات الأدبية، بجانب التركيز على مناوشة ومنافحة المستعمر.
ولاحقا انضم إلى مجموعة المؤسسين الخمسة كل من:
6. عبد الله خليل (رئيس عام1957 ميلادية).
7. محمد صالح الشنقيطي (قاضي المحكمة العلىا).
8. خلف الله خالد أول وزير دفاع في أول حكومة وطنية.
9. خليل فرح (وهو فنان وشاعر وأديب).
10. بابكر قباني، كما انضم إلىهم.
11. على عبد اللطيف.
12. وصالح عبد القادر .
لقد زاولت الجمعية عملها في البدء عبر المنشورات السرية( )، برغم وجود بعض الأعضاء الذين كانوا يفضلون أسلوب المجاهرة بالعمل الوطني، فكان على رأسهم المناضل على عبد اللطيف الذي تصدى لعملية إشهار النضال فقبض عليه وأدخل السجن، وبعد خروجه انضمت ليه مجموعه من مؤيدية في مجاهرة العمل الوطني أمثال:
ـ عبيد حاج الأمين.
ـ صالح عبد القادر.
ـ حسن صالح.
ـ حسين شريف.
لقد انضم هؤلاء إلى المناضل الثائر على عبد اللطيف في جمعية اللواء الأبيض التي تأسست عام 1923 ميلادية، وبحلول عام 1924م كان عدد أععضاء الجمعية (150) عضوا وبدأ انتشارها في المدن والأرياف السودانية واضعة بذور الإثارة الوطنية العادلة، وقد كسبت الجمعية تأييد الزعماء الدينيين ونظمت أول مظاهرة علنية يوم 19 يونيو1924 ميلادية، فكانت تلك هي الشرارة الأولى التي أوقدت نار الحرب والنضال الوطني في جميع مدن السودان، لقد إنزعج المستعمر كثيرا لما أثاره على عبد اللطيف فأمر بالقبض عليه مرة ثانية وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة سنوات.
لقد كان لسجن المناضل الثائر على عبد اللطيف أثرا كبيرا على المواطنين عامة وعلى طلاب الكلية الحربية خاصة، مما دفعهم للخروج في مظاهرة تاريخية أثارت الهلع والخوف بين صفوف المستعمرين، وكانت بمثابة تجربة وسطى بين المظاهرات الشعبية لجمعية اللواء الأبيض وتمرد الجيش.
لم تكن المدن السودانية بمعزل عما يدور في العاصمة، فقد تكونت عدة جمعيات في مدن مختلفة مثل:


1. جمعية الأبيض الأدبية.
وتضم في تكوينها كل من:
1. محمد احمد محجوب.
2.على ياجي.
3. على باخريبة.
4. خلف الله بابكر.
5. نصر الدين السيد.
6. سليمان عبد الحميد.
7. مكي شنتوت.
9. محمد خالد حسن.
جمعية يحي الفضلي
وتضم مجموعة أصدقاء من دفعة واحدة التحقت بكلية غردون عام 1927م. وتخرجت عام 1931م، كما التحقت بعضوية نادي الخريجين، وهم على النحو التالي:
1. يحي الفضلي.
2. توفيق الماحي.
3. إبراهيم جبريل.
4. يوسف أحمد البشير.
5.محمد نور حسين.
6. الحاج عوض الله.
7. بشير محمود.
8. محمد السيد حمد.
9. إلىسع خليفة.
10. خليل محمد إبراهيم.
11. على فرح على .
جمعية مجلة الفجر:
وهي تضم:
1. عرفات محمد عبد الله.
2. أحمد يوسف هاشم.
3. محمد احمد محجوب.
4. محمد عشري الصديق.
5. عبد الحليم محمد.
6. السيد الفيل.
7. يوسف مصطفى التني.
8. عبد الله ميرغني.
9. صالح عبد القادر وآخرون.
لقد كانت جمعية الفجر من أقوى الجمعيات وأكثرها دقة وتنظيما.
جمعية ود مدني:
هي من الجمعيات المهمة إذ من بين أعضائها نبعت عدة أفكار ومشروعات ثقافية وفنية ووطنية مثل فكرة:
1. مؤتمر الخريجين.
2. المهرجان العربي.
3. يوم المعلم
لقد كان عام 1924 ميلادية عاما حافلا بالأحداث والثورات، وقد مارس الإنجليز طيلة هذه المدة أنواعا مختلفة من الكبت والعنف والإرهاب والتسلط ضد المتعلمين باعتبارهم الطليعة المستنيرة والمحرضين على مناوشة الاستعمار، فقد كان الضغط محكما على الطبقة المتعلمة من الموظفين بمكاتب الحكومة وذلك بفرض الرقابة المحكمة عليهم.
والوضع بتلك الصورة الصرامة والرقابة لم يجد المثقفون متنفسا غير تلك الجمعيات الأدبية داخل الأندية وفي المنازل كحلقات للقراءة يستعرضون خلالها ألوانا من البحوث الأدبية والاجتماعية وكل طرق ومداخل المعرفة، وقد اشتهرت بذلك حلقات (أبي روف ، الهاشماب)( ).
لقد جذبت جمعية ود مدني الكثيرين من الخريجين وظلت تمارس أنشطتها الثقافية والتعليمية، وفي ذلك الأثناء حدث إبرام معاهدة سنة 1936 ميلادية بين إنجلترا ومصر، حيث كان نصيب السودان فيها ظلم وإجحاف، وقد ناقشت الجمعية هذا الوضع في اجتماعاتها، وكان قد حضر أحد الاجتماعات أحمد يوسف هاشم، بدعوة من الجمعية حيث ألقى كلمة جاء فيها ما يلي:
( .......واجبنا الأول هو الاتحاد الفكري وأعني به انتظام الطبقة ولا أقول المتعلمة، في هيئة محكمة النظام لاستغلال منابع القوة والنضال في هذا البلد واستقلالهافي شتى النواحي في الرعاية والتعليم والتربية والمإلىة والتجارة والرياضة والفن ..........)، وبالتالي عدد أحمد هاشم بعض الدول الشبيهة وما قامت به مثل تركيا، إيرلندا، الهند، مصر، سوريا، فلسطين، ويواصل حديثه ..... ولم يبق إلا السودان محافظا على نظام ندوته منذ 1917م، ولم يسمح لنفسه بالتفكير في كل شئ، فقد عمل الجليل وشاد العظيم، إلا الثورة على هذا النظام الصغير البالى الذي لا يتمشى مع تطورات فكرة وأحداث زمانه، إذا ما انتظم السوداني المشيد في رابطة أو مؤتمر أو نقابة مركزها لجنة النادي بأم درمان، وفروعها في الأقإلىم، وإذا ما نشر برنامجه القومي نكون قد عرفنا حدودنا وواجبنا السياسي( ).
وبناء على تلك التعبئة الوطنية الكبرى قام الأستاذ أحمد يوسف هاشم بنشر تلك الكلمة في مجلة الفجر، وعقب عليها مؤيدا فكرة قيام مؤتمر جامع، فانتقلت الفكرة بعد تداولها وتلقفها من قبل المؤمنين بها من الخريجين إلى نادي الخريجين بأم درمان، ورغم العثرات والخلافات التي حدثت إلا أنها اتفقت في النهاية على تغليب المصلحة الوطنية الكبرى.
بدأت الاجتماعات الأجتماعات الأولى في نادي الخريجين بواد مدني عام 1938م، ووجدت الفكرة رواجا وانتشارا بين أوساط الخريجين ثم توالت الاجتماعات إلى أن توج أول اجتماع عام للموؤتمر في أم درمان حضره كل الخريجين الموجودين بالعاصمة وجمع كثير من الخريجين من مدن مختلفة مثل ود مدني، الأبيض، بورتسودان، عطبرة، وتم في ذلك الاجتماع انتخاب لجنة عرفت باللجنة الستينية برئاسة اسماعيل الازهري.
اطلع المؤتمر بدوره في الحركة الوطنية بتوعية المواطنين، والمضي قدما في تنفيذ مقررات سابقة مثل إنشاء المدارس، والاحتفال بيوم التعليم.
وبعد مضي عام على تكوين المؤتمر، أقيم مهرجانا كبيرا في مدينة ود مدني دعي له قادة الفكر والفن والأدب والشعر فخرج مهرجانا تاريخيا، ثم أتفق على إقامته كل عام في إحدى المدن السودانية، كما قررت اللجنة التمهيدية لنادي الخريجين أن يكون ثاني أيام عيد الأضحى الموافق 12 فبرأىر 1938 ميلادية، هو يوم مؤتمر الخريجين وهو بمثابة إشهار لنشاط النادي بصورة جديدة ومختلفة تماما عما كان عليه في البداية، وكان إسماعيل الأزهري هو رئيس اللجنة حيث ألقى خطاباً ضافياً قال فيه:
( إن المؤتمر لسان الخريجين المعبر عن رغباتهم والموضح لشكاياتهم والعامل على تحقيق الأماني القومية، مالنا نتضاءل في بلدنا ونتخاذل في حقنا وقد تعهدنا الحكم الثنائي ما يقارب الأربعين عاماً، أما آن لنا أن نثبت وجودنا ونعتز بسوداننا ونعمل في صف واحد متآزرين ليس كخريجين فقط بل مع الآباء ورؤساء العشائر والزعماء وقد تعددت طرق الوصول، إلا أن الهدف واحد فلنعمل جميعاً على تحقيقه).
على أثر ذلك بدأ المؤتمر يمارس نشاطه بصورة مكثفة في جميع مدن السودان، بنشر الوعي بين سكان الأقإلىم والأرياف وتأسيس المدارس وإقامة الندوات السياسية والثقافية وربط الأقاليم بالعاصمة الوطنية أم درمان، كما عمل على تكوين النقابات، فدخل السودان عهداً جديداً طابعه الصمود والكفاح وبدأت تحركات المؤتمر بخطوات مدروسة وثابتة مما أكسبه ثقة ومساندة سكان السودان، وازدهرت شعبية المؤتمر خلال عام 1939 ميلادية ليس في أوساط الخريجين فحسب بل في صفوف جماهير السودان عامة.
هكذا تسارعت وتصاعدت الأحداث إلى أن وصلت عام 1953 ميلادية حيث تم التوقيع على اتفاق الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان والاعتراف بوحدة السودان شماله وجنوبه، وتم تحديد فترة الانتقال بثلاث سنوات ينشأ فيها حكم برلماني ديمقراطي يقوم بتصفية الحكم الثنائي تصفية كاملة، فكان ذلك بمثابة فتحاً مباركاً على السودان بأن نال استقلاله وحريته.


avatar
الدفع
مشرف مركز الموسيقى التقليدية فى السودان
مشرف مركز الموسيقى التقليدية فى السودان

البلد : sudan
الجنس : ذكر عدد المساهمات : 25
نقاط : 2850
المحبة : 2
تاريخ التسجيل : 07/05/2010
العمر : 45

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى